جان لوئيس بوركهارت

273

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

الأمطار ليست من الوفرة بمكان ، وأن هطولها لا يدوم أسابيع متصلة كما هي الحال في كردفان على ما سمعت ، إنما هي تسقط متقطعة وإن كان سقوطها في سيول متدفقة . أما الصحراء الشمالية الواقعة بين بربر ومصر ، لا سيما الإقليم الجبلي الواقع إلى الشمال من عين شقرة ، فليس فيها على ما يبدو موسم ثابت للمطر . وقد أجمع كل من سألت من مصريين وعبابدة على أن هذه الجبال يصيها الغيث صيف شتاء ، ولكنه غير غزير . وركاب القوافل في خوف دائم من أن تمطرهم السماء في أي وقت أيا كان الفصل الذي يسافرون فيه فتتلف أمتعتهم وبضائعهم ، وقد بلغني مثل هذا عن طبيعة هذه الأمطار وأنا مصعد مع النيل في رحلتي إلى دنقلة . كذلك يسقط المطر في جميع فصول السنة على سلسلة الجبال الممتدة من أسوان إلى القصير بين النيل والبحر الأحمر ، ولكن سقوطه يكاد يقتصر على الشتاء إلى الشمال من طريق القصير حتى السويس ، في جبال عرب المعازة . ومعلوم أن المطر نادر في وادى النيل ، بيد أنه يسقط لماما على الدلتا في أشهر معدودة . أما الصعيد فيكاد يقفر منه في أجزائه الدانية من النيل ، لذلك ترى فيه ظاهرة فذة ؛ فالوادى الخصيب عديم المطر على مدار السنة في حين تحظى الجبال الجرداء على ساعات منه بمطر منتظم . وفي شهر سبتمبر حين كنت بإسنا أمطرتنا السماء مدرارا وطفقت تسح ساعتين متصلتين بمطر لا يذكر له الإسناويون نظيرا . ويعرف أهل شندى أوان ريح الخماسين الحارة كما يعرفه أهل مصر . وسميت الريح هكذا لأنهم حسبوا مدتها خمسين يوما تمتد من 29 أو 30 إبريل إلى 18 أو 19 يونيو ، وهو أوان « النقطة » أو أول ارتفاع النيل في مصر . وحين كنت بإسنا في أول مايو بدأ هبوب الخماسين ، فأرسلت علينا شواظا من ريحها اللافحة الخانقة . وقد قضيت بشندى مطالع الخماسين فشهدت بها هبوب الريح الحارة أياما ، وخيل إلى أنها لم تبلغ في حرها وإرهاقها مبلغ خماسين الصعيد ، مع أنني في شندى كنت ليل نهار أمكث في العراء لا أدخل غرفة رطبة ولا أجد ما يقيني وقدة الشمس غير تعريشة أستظل بها . ولست أدرى هل الفضل في هذا لاعتدالى في الطعام وزهدى في الشراب ، ومن شأن هذا كما أقنعتنى التجارب أن يكسر من حدة الحر والقر